عبد الصبور شاهين في كلمات

 

ولد الدكتور عبد الصبور شاهين فى ١٨ مارس١٩٢٩ م ، ٧ شوال ١٣٤٧ هـ ، في أسرة تنتمى إلى العلم بمفهومه الدينى، فوالده الشيخ محمد موسى موسى على شاهين - رحمه الله - قد تخرج فى الأزهر، وجده الأكبر شاهين بك زعيم المماليك إبان حكم محمد على باشا، وأول من قتل فى مذبحة القلعة، ووالدته - رحمها الله - من ريف المنصورة من قرية اسمها ( الخيارية )، وهى نفس القرية التى خرج منها الوالد إلى الأزهر الشريف، وهى من أسرةعريقة، فأمها ذات علاقة قربى بالشاعر الكبير إسماعيل باشا صبرى، فهو خالها .

دخل عبد الصبور شاهين الكُتَاب فى سن الثا لثة، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو فى السادسة وثمانية أشهر، فقد وهبه الله حافظة لاقطة، فكان يكفيه أن يكتب اللوح ثم يقرأه مرة واحدة .

            ولما بلغ الثانية عشر من العمر وهو فى معهد القاهرة الدينى؛ انضم إلى شعبة الإخوان المسلمين فى حى الإمام الشافعى، وكان الإمام حسن البنا قد افتتحها عام ١٩٣٩م، ودخل لجنة   التدريب على  الخطابة، وفى عام ١٩٤٣م وهو يصلى مع والده الذى كان إمام وخطيب مسجد الإمام الشاطبى فى المقطم؛ وأثناء الخطبة أحس بضعف فى عينه أعاقه  عن القراءة، فنادى ابنه عبد الصبور ليصعد إلى المنبر، ويتم الخطبة ويصلى بالناس، ثم واصل الخطابة حتى بدأ الصدام بين الإخوان والثورة، وكان يقول: أعتبر المنبر معلمى الذى أخلص فى توجيهى، ويكفى  أنى قرأت وحفظت كتبا كثيرة لأخطب منها على المنبر، مثل إحياء علوم الدين للإمام الغزالى، والترغيب والترهيب للمنذرى، وزاد المعاد لابن القيم وغيرها).

ورغم دراسته فى المعهد الدينى، وخطبة الجمعة أسبوعيا إلا أنه أحس بفراغ، ففكر فى تعلم الموسيقا والعزف على العود، وبعد أن سار مرحلة حطم عوده وتمرد على نفسه – كما قال. ولأن الأزهر لا يدرس لغات أجنبية، قرر أن يتعلم أى لغة، ودخل مدرسة الأزهر الفرنسية، أو الرابطة الفرنسية، ومكانها فى حى الغورية، قال عنها فى مذكراته: كانت فرنسا حريصة على نشر لسانها الفرنسى، فانشأت هذه الرابطة التى كانت فروعها أكثر من ثلثمائة وستين فرعا منتشرة فى أنحاء العالم لتعليم شعوبه اللسان الفرنسى، وأتم الدراسة فى المدرسة الفرنسية وهو فى السنة الرابعة بالمعهد الدينى، وأراد مواصلة الدراسة العليا، ثم علم بوجود كلية للحقوق الفرنسية فى حى المنيرة، فتقدم لها مستمعا حتى يحصل على الثانوية، وكانت الدراسة بها ثلاث سنوات.

دخل كلية دار العلوم التى كانت بالقرب من الحقوق الفرنسية، فكان يذهب لدار العلوم صباحا، وللحقوق مساء، ولما أتم سنتين بها؛ صدر قرار بامتحان طلبة الليسانس بباريس، وسبب ذلك أن دكتور طه حسين- وزير المعارف آنذاك – ألغى وجودهذه الكلية بمصر ردا على عدم موافقة فرنسا على إنشاء معهد فاروق الأول فى الجزائر، ولم يذهب لباريس لأنه كان في السنة الثانية من كلية دار العلوم.

كانت له اتجاهات صحفية أثناء دراسته فى المعهد الدينى، وعمل فى مؤسسة أخبار اليوم ومجلة روز اليوسف، وغيرهما، حتى إذا دخل دار العلوم اختاره اتحاد الطلبة بها ليرأس تحرير مجلة الاتحاد، فقام بها كاملة تقريبا.

دخل سجون عبد الناصر مرتين، الأولى عام ١٩٥٥، ومكث فى الاعتقال مدة عام كامل، فتأخر بذلك تخرجه سنة كاملة.  أما المرة الثانية فكانت عام ١٩٦٥،  عندما صار له أسرة وأولاد، وقد ذكر تفاصيل هاتين الرحلتين فى مذكراته ..كان سبب الاعتقال انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين من عام ١٩٤٠، وكان له دور فعال فيمن حوله من أول يوم لدخوله الجماعة حتى النهاية.

التقى بالإمام حسن البنا مرة واحدة، عندما رآه فى المنام يحل له مشكلة، وقد ذكر هذا اللقاء بالتفصيل فى (حديث الأيام)، قال معقبا على هذا اللقاء الأول والأخيرللإمام: ذكرت هذا الموقف لأقول إن الشيخ كان مهتما بالقضايا السياسية والمصيرية الكبرى، ولكن ذلك لم يكن يلهيه عن الاهتمام بمشكلة صغرى لأخ فى التاسعة عشرة ليزوده بالنصيحة ويداوى متاعبه.. إن الزعامة ليست عظمة ولا أبهة ولا كبرياء؛ إنما الزعيم الحق هو الذى يتفاعل مع مشكلات المجتمع الذى يتزعمه أفرادا وجماعات.

            تخرج عبد الصبور شاهين سنة ١٩٥٦م ، ولم يعين فى الكلية مع تفوقه، فأخذ يبحث عن وظيفة، وتقدم فى مسابقة الجامعة العربية للملحقين الدبلوماسيين؛ ونجح، ولكن لم يُعيَن، وتقدم للعمل بالإذاعة المصرية لإتقانه لغة أجنبية، قال عن هذه المسابقة : كنت وفاروق شوشة من دار العلوم، وقد تقدم لهذه المسابقة ثلاثمائة، فلم ينجح سوى عدد قليل، ثم دخلنا الامتحان الشفهى فنجح خمسة كنت أولهم وأمين بسيونى الثانى، ورمضان خليفة الثالث، وأحمد حمزة الرابع، وحياة حسن هى الخامسة. ولم تتم فرحته فقد استدعاه مسؤول فى (لاظوغلى)، وبعد أسئلة وأجوبة صرخ العميد أحمد صالح فى وجهه قائلا : لازم تعرف إن مالكش شغل فى البلد دى.. دور لك على عمل برة... برة ...

وصمم على ألا يترك مصر، ويعمل فى أى شئ لا يكون للحاكم سلطة عليه، وكانت بدايته فى الترجمة، وتقابل مع المفكر المسلم الجزائرى مالك بن نبى، والذى عرفه به طالب من المغرب (عبد السلام الهراس) قال له: أستاذ عبد الصبور بترجم كتاب ؟ وشاءت إرادة الله أن تفتح له باب الترجمة على مصراعيه، فبدأ ترجمة كتاب للاجئ الجزائرى الذى يعيش فى مصر هربا من الاستعمار الفرنسى فى بلاده، وترجم من الفرنسية أكثر كتب مالك  التى وصلت إلى سبعة كتب ، وكان أولها ( الظاهرة القرآنبة) وظهرت أول طبعة له عام ١٩٥٧م، وتتابعت الطبعات حتى عام ٢٠٠٤م أصدرت وزارة الثقافة طبعة للكتاب، وكذلك كتب مالك الأخرى.

            ولم يترك عبد الصبور شاهين الترجمة عندما دخل كلية دار العلوم معيدا، إنما مارسها بكتابين فى تخصصه، هما علم الأصوات لبرتيل مالبرج، والعربية الفصحى للأب هنرى فليش، ثم واصل فى ترجمة الموسوعات (كأخلاق القرآن) 0للدكتور عبد الله دراز ، و(فلسطين أرض الرسالات الإلهية)  لروجيه جارودى، وغيرهما.

أما المؤلفات التى أخرجها على مر خمسين عاما؛ فقد زادت على الستين مؤلفا، منها موسوعات ومؤلفات فى تخصصه  (علم اللغة) ، وفى العقيدة  وفى التاريخ والسير، ومنها أبي آدم – قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة، وعربية القرآن، وحديث عن القرآن، والسنة والشيعة أمة واحدة، أما ما أخرجه مع زوجته السيدة إصلاح  الرفاعي، فهو أكثر من عشرة كتب، منها موسوعة أمهات المؤمنين، وصحابيات حول الرسول، وموسوعة مصر في الإسلام وغيرها.

تزوج عبد الصبور شاهين عام ١٩٦٠م، من خريجة من دار العلوم، وكانت المحجبة الوحيدة فى الكلية فى ذلك الزمان، عاشا معا خمسين سنة وعدة شهور، ضُرب بحياتهما المثل فى الحب والوفاق والوئام والسعادة والهناء والمودة  والإنتاج العلمى والإنسانى، فقد رزقهما الله تعالى من فضله:

  • دكتور عمرو عبد الصبور ولد عام ١٩٦١م، ويعمل فى جامعة مريلاند بأمريكا بعد أن نال الدكتوراه في الطب من هناك.
  • دكتور هشام عبد الصبور ولد عام ١٩٦٢م، وهو استشارى بطب قصر العينى، وقد عرض عليه أعمال كثيرة فى الخارج ولكنه كان يرفض، حتى لا يترك والديه.
  • المهندس مروان عبد الصبور ولد عام ١٩٦٥م ، وهو يعمل فى شركة اتصالات فى باريس.
  • الدكتورة أميرة عبد الصبور ولدت عام ١٩٦٦م، وهى أستاذ فى طب قصر العينى.
  • المحاسبة لبنى عبد الصبور ولدت عام ١٩٧٧م، وشغلها فى الأعمال الحرة.

اعتلى عبد الصبور شاهين منابر عديدة عبر حياته في الدعوة، فخطب في مسجد مصطفى محمود لثلاث سنوات، ثم كانت مرحلة الخطابة في مسجد عمرو بن العاص واستمرت أكثر من عشرة أعوام، أتبعها ببناء مسجد بجوار منزله بحدائق الأهرام بالجيزة، وخطب على منبره عشرة أعوام أخرى، وعبر خمسة عشر الأعوام الأخيرة في هذين المسجدين؛ أتم تفسير أكثر من ثلاثة أرباع القرآن الكريم في الخطبة الأولى من كل جمعة، وهو إنجاز لم يسبقه إليه أحد من السابقين.

سافر عبد الصبور شاهين إلى معظم بلاد العالم، إلا كندا وأمريكا الجنوبية واليابان، وكانت السفرات كلها لمؤتمرات أو محاضرات أو تسجيلات أو تبادل زيارات، كما كانت سفرته إلى الصين وهو عضو بمجلس الشورى، كذلك سافر لزيارة الجاليات المسلمة فى أمريكا وأستراليا والهند وغيرها.

عمل فى جامعة الكويت إبان إنشائها مُعارًا من جامعة القاهرة ، من عام ١٩٦٩ إلى ١٩٧٣، وكان قد قررألا يعود لمصر حتى لا يجرب السجن مرة ثالثة، وما إن وصل إلى السنة الرابعة فى الإعارة حتى استعد للعودة لمصر، ولكن د. عبد العزيز كامل رحمه الله – الذى كان رئيسا لجامعة الكويت عرض عليه البقاء ما يشاء حتى تسع سنوات، ولكنه أجابه قائلا: لا أستطيع، لقد أوحشنى سجن طرة !!

وسافر مُعارا مرة ثانية للعمل فى جامعة البترول والمعادن (الملك فهد حاليا) من عام ١٩٧٩ إلى ١٩٨٣، كذلك سافر كأستاذ زائر إلى بلاد عربية كثيرة، لمدة شهر أو شهرين...

شارك فى برامج التلفزيون المصرى إبان افتتاحه، ببرامج خاصة وأحاديث ومشاركات، كذلك فى كل التلفزيونات العربية، وتعد هذه الأعمال بآلاف الساعات.

أشرف على مئات الرسائل العلمية من دكتوراه وماجستير، فى جامعة القاهرة والجامعات المصرية والجامعات العربية، وفي معاهد البحوث والدراسات الإسلامية والأفريقية، وقام بعدة أبحاث مع مشاركين في الأمم المتحدة واليونسكو.

بعد حياة حافلة بالعمل والإنتاج والفكر والخطابة والدعوة؛ غربت شمس عبد الصبور شاهين ساعة أذان المغرب يوم الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠١٠ م ، الموافق ١٦ شوال ١٤٣١ هـ ، وصلي عليه في اليوم التالي في مسجد عمرو بن العاص؛ بناء على وصيته، ودفن في مقابر أسرة شاهين بالإمام الشافعي، وانقطع عمله من الدنيا – كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – إلا من ثلاث؛ علم ينتفع به، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له.