العدوان على قداسة القرآن

 

فى دوامة الأحداث التى خلفتها حادثة 11 سبتمبر- برز على السطح بعض الانتهازيين من الإعلاميين ورجال الكنيسة الذين وجهوا إساءاتهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، وهم يتهمونه بأنه داعية الإرهاب ، وبلغ بهم سوء الأدب أن يرسموا كاريكاتيرا لسيارة مفخخة يقودها (محمد)- ثم يتساءل الرسام : إلى أين يتجه محمد بهذه السيارة؟..

وهؤلاء الساخرون هم أول من يعلم أن محمدا قد جاء بدعوة الإسلام الذى لم يعرف الإرهاب ولا التطرف ، بل كان شعاره دائما هو السلام ، وسلوكه دائما هو الرفق والرحمة ، وكان (محمد) يوصى دائما بالمحافظة على أرواح الأبرياء من رجال الدين والرهبان ، ومن الأطفال والنساء ، بل كان يوصى بعدم قطع الأشجار، أو إحراق النخيل ، وهى وصايا التزم بها المسلمون طوال تاريخهم القديم والحديث ، حتى شهدنا أتباع اليهودية والنصرانية يبيدون الأبرياء ، ويحرقون الزروع ، ويخربون المدن ، ويشردون الشعوب بأسلحة الدمار الشامل التى لا يملكها غيرهم فى أمريكا وإسرائيل ، ومع ذلك ينسبون ذلك الفجور الذى لم يعرف التاريخ له مثيلا- إلى محمد- داعية السلام ، ورسول المحبة ، ومعلم الإنسانية كيف يكون التعايش بين الناس .

وإنا لواثقون بأن الغرب فى حملته الراهنة يمارس لعبة سياسية قوامها الجور، وجوهرها الفجور ، وهدفها الابتزاز وامتصاص دماء المسلمين ، والغرب الأمريكى الإسرائيلى- أول من يعلم أن المؤامرة التى يقوم بتنفيذها قائمة على الكذب والزور، وسوف يحيق بالمجرمين عاقبة زورهم وبهتانهم، كما حاق بأمم الظالمين قبلهم، وما ذلك على الله بعزيز.

هذه مقدمة لما نلاحظه هذه الأيام من انتشار موجة غريبة لم نعهدها فى عالم الإسلام ، وهى موجة الجرأة على القرآن ، تحت ستار ممارسة الاجتهاد ، الذى يكاد يحل الحرام ، أو ستار الرغبة فى تيسير الوصول إلى معانى القرآن ، وهى آخر صيحة اتخذ صاحبها لها عنوانا : (نحن لم نقرأ القرآن بعد؟!) وهو عنوان نشرته جريدة (القاهرة) فى صباح الثلاثاء 14/1/2003.

وهدف هذه الصيحة أن صاحبها يرى ضرورة فى إعادة النظر فى ترتيب القرآن على حسب النزول ليمكن للغربيين أن يدركوا مضمونه ، وهو يؤسس دعوته على أمرين:

أولهما: أن الترتيب الثابت فى المصحف ليس مقدسا ، بل هو من عمل بعض الصحابة (عثمان بن عفان) ومجموعة العمل التى كتبت معه المصاحف، وهى التى قامت بترتيب آيات السور القرآنية ، كما رتبت السور ترتيبا نزوليا (الأطول فالأقل طولا، حتى السور القصار).

وثانيهما: أن الترتيب الحالى للسور يصعب على غير العربى- أى الأجنبى- فهم النصوص القرآنية، والمطلوب تسهيل القرآن للمسلم غير العربى ، لأن القرآن تتداخل فيه أساليب ثلاثة يصعب عليهم فهمها، هى: أسلوب المثل والقصص ، والأسلوب النظرى أو الفلسفى ، عندما يتحدث عن تكوين الكون والأخلاق ، والأسلوب الثالث: عندما يتحدث عن التشريع والعبادات والطقوس ، فإذا ما تداخل كل هذا فى سورة واحدة ، وأحيانا فى صفحة واحدة يصبح من المحال على المسلم غير العربى فهم المراد من النصوص .. .. إلخ..

أى: إن المطلوب هو إعادة تأليف القرآن من أجل سواد عيون- أو زرقة عيون الأجانب غير العرب!!

وكأن القرآن يواجه لأول مرة ، وعلى حين غفلة ، حاجة هؤلاء الأجانب إلى فهم نصوصه!!

لقد فتح صحابة محمد بلاد العالم غير العربى بهذا القرآن ، بل لقد كان من هؤلاء المسلمين- غير العرب- أئمة التفسير ، والحديث والفقه والأصول .. إلخ .. ولم يشعر أحد فى تلك الأزمنة بحاجته إلى إعادة ترتيب آيات القرآن ، بل لقد تلقوا القرآن بآياته المحكمات والمتشابهات وهم يقولون : ((آمنا به كل من عند ربنا)).

ومن المؤكد أن ترتيب الآيات فى سور ، وترتيب السور فى قرآن متكامل- هو من إبداع القدرة الإلهية ، التى تلقى النبى  وحيها، وراجع الوحى معه على هذا النحو نص القرآن بنفس الترتيب الداخلى، وما كان لمحمد ولا لصحابة محمد- أن يتدخلوا فى إحكام النص القرآنى ، فهو ليس من اختصاص البشر مطلقا ، بل هو من تنزيل الله وحده، وهو القائل: (( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)) وهو- على هذا- من ثوابت العقيدة التوقيفية.

وإذا كان خيال ذلك المفكر (التونسى)- يوسف صديق- قد هيأ له أن ترتيب الآيات فى سور هو من عمل عثمان(رضى الله عنه) ، أو من عمل اللجنة التى شكلها لكتابة المصحف- فيجب أن نلفت نظره إلى حقيقتين تاريخيتين : الأولى: أن عملية كتابة المصحف لم تكن سوى نسخ النص كما هو فى مجموع أبى بكر رضى الله عنه، وقد أرسل عثمان حين صح عزمه على كتابة المصحف- إلى السيدة حفصة بنت عمر، وأم المؤمنين- فقال لها: أرسلى إلينا بالمصحف ننسخها ثم نردها إليك.. وقد كانت تحفظ ذلك المجموع البكرى ، بعد أن قتل أبوها عمر بن الخطاب.

والثانية: أن إثبات النص القرآنى- كما هو فى المصحف- كان عملا مجيدا توافرت عليه جهود الحفظة ، الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد رسول الله ، وفى مقدمتهم أبى بكر وعمر وبقية العشرة المبشرين بالجنة ، وتولى عملية الكتابة أمين الوحى زيد بن ثابت ، الذى كان ممن كتبوا القرآن على الجلود والعظام وغيرها- بإملاء من رسول الله  ، وكان زيد خبيرا بترتيب الآيات طبقا لإملاء الرسول وتوجيهه ، وكان الرسول يرسل إلى زيد وغيره من الكتاب بمجرد نزول الوحى ، حتى ولو كان فى جوف الليل ، فيملى عليهم ما تلقاه من جبريل عليه السلام، ثم يقول لهم: (ضعوا هؤلاء الآيات فى سورة كذا بين آية كذا وكذا.. ..)

إذن.. فالمصحف الذى بين أيدنا هو النص الذى أنزله الله سبحانه ، دون أدنى تحريف أو اختلاف ، وهو توقيف حرفى من الوحى ، لا تصرف للنبى فيه .

وإذا جاز ما تخيله ذلك المفكر التونسى من أن ترتيب آيات السور كان من عمل عثمان- وهو باطل قطعا ، فكيف كان الصحابة قبل عهد عثمان- زمن أبى بكر وعمر- كيف كانوا يقرأون القرآن؟ وبأى ترتيب كان؟ مع ملاحظة أن حفظة القرآن فى أواخر العهد النبوى كانوا يعدون المئات ، وقد تفرقوا فى أنحاء الأرض ضمن جيوش الفتوحات من أول عهد أبى بكر ، فى حروب الردة وغيرها؟!

إن أغرب ما يكشف عن هوية هذا المتحدث عن القرآن قوله: "وأنا لم أحس سوى عمل بشرى لا صلة له بالقداسة ، فترتيب الآيات فى المصحف الذى بين أيدينا ليس من عمل الله عز وجل ، بل هو من عمل الخليفة عثمان رضى الله عنه ، فهناك فارق بين تنظيم التنزيل وبين التنزيل نفسه، والوحى عندما نزل على رسول الله  نزل عليه بآيات صغيرة لا تعرف حجمها ، وعلى ما أعتقد أن الذاكرة البشرية لا تتحمل أكثر من خمسين آية ، ومهما كان الرسول فهو فى النهاية بشر ، فالمصحف لم ينزل عليه بصورته التى بين أيدينا ، وتقسيمه إلى سور وأحزاب هو عمل بشرى.."

وهذا القول ينطوى على عدد من الملاحظات هى:

التفرقة بين القرآن والمصحف ، فالقرآن هو جامع السور والمصحف هو جامع الصحف ، وهذا صحيح ، ولكن عمل عثمان لم يكن ترتيب الآيات لتأليف السور ، بل إن السور كانت مؤلفة بتوجيه الوحى للرسول ، وتوجيه الرسول لكتاب الوحى من الصحابة ، ولم يتجاوز عمل عثمان ما أثبته المجموع البكرى .

حديثه عن الوحى ، وأنه كان آيات صغيرة مجهولة الحجم ، هو حديث مرتجل لا يتضمن تحقيقا ، بل هو يعتقد (شخصيا) أن أقصى ما كان يوحى إلى النبى لا يتجاوز خمسين آية ، وهو أقصى ما تطيقه ذاكرة النبى البشر، إنه لا يثق بقدرة النبى على تلقى الوحى بطاقة استيعاب هائلة ، تحقيقا لوعده سبحانه ((سنقرئك فلا تنسى)) حتى لقد تلقى من الوحى سورة الأنعام كلها مرة واحدة ، وعدد آياتها 165 آية ، إن هذا الرجل يقيس قدرة النبى على قدرته ، ويتجاهل منزلة النبى عند ربه .

لم ينزل الوحى على النبى مصحفا ، بل نزل منجما على مدى ثلاث وعشرين سنة ، ثم تولت العناية الإلهية تقسيمه إلى سور وترتيبه آيات داخل سور- فأما تسميته (مصحفا) فهو من اختيار الصحابة بناء على اقتراح عبد الله بن مسعود فى عهد أبى بكر الصديق.

إن نظم القرآن على ما هو عليه فى المصحف نظم إلهى ، ولا علاقة لأى مخلوق بشرى بترتيبه النظمى ، ومن المستحيل أن يقوم بشر مهما كانوا بتأليف هذا النظم ، على ما قرره القرآن صراحة فى قوله تعالى : (( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)).

وبذلك قطع القرآن الطريق على كل من يحاول أن يتدخل فى نظم القرآن على خلاف ما هو عليه الآن.

أما تصور محاولة إعادة ترتيبه حسب النزول فهو تصور دونه أهوال ، وفكرة الترتيب حسب النزول فكرة خبيثة ، تستهدف زرع الشك والاضطراب فى نفوس المسلمين تجاه القرآن ، وقد نبغت فتنتها على يد المستشرق الفرنسى رجيس بلاشير ، الذى وضع كتابه عن (القرآن- محاولة إعادة ترتيبه بحسب النزول) ، وصدرت هذه المحاولة فى ثلاثة مجلدات ، ولكنها فشلت تماما ، وبرغم فشلها- لم تمت، بل ظل تلاميذه يكررون الحلم الذى راود شيخهم ، وها هو ذا أخوهم يحمل نفس التعاليم عن أستاذه اللعين!!

إن أحدا لم يمنع أى مفسر للقرآن من أن يأخذ فى اعتباره موقع أية سورة من سابقتها نزولا ، مع افتراض صحة خبر هذا الترتيب النزولى ، فأما أن يفكر أحد فى إعادة تأليف القرآن على حسب النزول فهى جرأة لا يعين عليها أخبار التاريخ ، كما لا تؤيدها ثوابت العقيدة ، ومن الممكن أن تكون أسباب النزول ، وتواريخها عونا لأى مفسر أو أى مترجم يتصدى لنقل معانى القرآن إلى أية لغة من اللغات ، فمجال التفسير رحب يتسع للكثير من الأفكار الأكاديمية ، أما المساس بنظم القرآن- على ما هو عليه- فهو فى الحقيقة مساس بالنص المقدس الذى ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد))..