العلاقة العضوية بين بوش وشارون

 


العلاقة العضوية بين بوش وشارون!!

إن الناظر المتأمل للسياسات الأمريكية فى عهد جورج بوش (الرئيس الحالى للولايات المتحدة) يسجل اختلافا كبيرا بينه وبين سابقيه من الرؤساء، فقد تعود العالم على إيقاع متوازن فى موقف الولايات المتحدة ، ولا سيما بالنسبة إلى قضية السلام فى الشرق الأوسط ، وهى القضية التى أمسكت أمريكا بكل خيوطها فى يدها، وعزلت عن الاهتمام بها كل دول العالم التى كان لها دائما اهتمام بوقائعها، ومن أمثلة ذلك بريطانيا ، وروسيا وفرنسا ، لقد تفردت أمريكا بتلك القضية على أساس أنها الأقدر على تحقيق السلام العادل بين العرب وإسرائيل ، هكذا توهم العرب لفترة طويلة من الزمان الماضى!!

ولكن تولى جورج بوش السلطة فى البيت الأبيض قلب الموازين، رأسا على عقب ، فقد تخلت أمريكا فجأة عن حيادها التقليدى ، وأعلنت انحيازها السافر إلى سياسات أريل شارون ، وعداءها للقضية العربية ، بما يعنيه ذلك من احتمالات تهدد المصالح الجوهرية الأمريكية ، وإن كان ضمان سلامة هذه المصالح مرتبطا بالهيمنة العسكرية على المراكز الحيوية فى العالم العربى ، غالبا..

هل يمكن أن نعزو هذا الانقلاب السياسى إلى نزوة شخصية أصابت الرئيس الأمريكى ؟ أو أن ذلك راجع إلى التأثير المباشر لمجموعة المستشارين المحيطين بالرئيس ، من أمثال كونداليزا- مستشارة الأمن القومى ، وكولن باول- وزير الخارجية، ورامسفيلد- وزير الدفاع، وهم جميعا لم يخفوا ميولهم العدواية ضد العرب والمسلمين؟  غير أن سياسة الدولة العظمى لا يمكن أن ينفرد بالتأثير فى توجهاتها هذه المجموعة الصغيرة من المسئولين، خصوصا إذا ترتب على هذه التوجهات ضياع المصالح الحيوية ، وتهديد مصير العالم على نحو ما نرى فى أيامنا هذه!!

وإذن ، فلا بد من البحث عن أسباب أخرى تدفع الرئيس الأمريكى إلى ذلكم الاتجاه الخطير الذى يبدو فيه إسرائيليا أكثر من الإسرائيليين ، بل إن إسرائيل لم تكن خلال الخمسين عاما الماضية أخطر على من حولها من أمريكا الآن .

لقد حاول أحد الكتاب الأمريكيين أن يقدم تفسيرا لما يحدث من قائع التغير السياسى على الساحة الأمريكية ، فعزاه إلى أمرين:

الأمر الأول : ذو طبيعة جغرافية ، وهو يرجع إلى انقسام الولايات المتحدة إلى جنوب وشمال ، وقد كانت الحروب الداخلية تدور بين الجنوبيين الكونفدراليين ، والشماليين الاتحاديين ، حتى انتصر الجنوب على الشمال ، وظلت لأبناء الجنوب نزعتهم العسكرية التى تميزهم عما سواهم من الأمريكيين ، فهم يميلون دائما إلأى الحرب ، ويرفضون مهمات السلام التى تتم تحت لواء الأمم المتحدة .. إلخ .. وقد كانوا دائما وراء الحروب التى تخوضها القوة الأمريكية ، سواء أكانت حروبا خاصة ومباشرة كحرب فيتنام والحرب الكورية ، أو كانت حربا تخوضها أمريكا لمساعدة آخرين ..

من هذا الجنوب جاء الرئيس الأمريكى بوش الابن وكذلك أبوه ، وفى عهد الأب أتمت الولايات المتحدة بسط نفوذها على المنطقة البترولية فى الشرق الأوسط ، بعد أن هزم العراق فى حرب الخليج الثانية ، ويحاول بوش الابن الآن أن يكمل السيطرة على بقية منابع البترول فى العراق ، إلى جانب بقية الأطماع الاستراتيجية التى تستهدف السيطرة على بترول بحر قزوين ،

وكل ذلك تجاوبا مع الروح العسكرية التى تطبع حياة الجنوب الأمريكى ، المشايع دائما للحرب ، والمشجع دائما للصدام .

ويكفى أن نعلم أن جميع الأفراد فى الجنوب يقتنون فى منازلهم أنواعا كثيرة من الأسلحة ، وأن أسواق بيع الأسلحة هناك تنافس مدن الملاهى فى الولايات الأخرى.

من هذا الجنوب الذى يسيطر عليه جنون القوة جاء بوش معبرا فى سياساته عن أحلام مواطنيه فى إشعال الحروب ، توصلا إلى السيطرة ، وفرض العولمية Globalism على كل دول العالم ، ولا سيما خارج أوربا .

الأمر الثانى : وهو ذو طبيعة دينية ، فالمسيحية المنتشرة فى الجنوب هى المسيحية البروتستانتية ، وهى أصولية متعصبة ، تحمل الحقد الأسود على الإسلام ، وتتحالف مع الصهيونية ، حتى ليمكن إطلاق وصف (الصهيونية) على أولئك الجنوبيين من البيض المتعصبين ، والعلاقات بين الجانبين ذات تاريخ بعيد ، ومن أمثلتها أن إسرائيل عندما نسفت عام 1979- المفاعل النووى العراقى- اتصل رئيس وزراء إسرائيل وهو آنذاك منحم بيجين بالقس جيرى فالوبل شخصيا- قبل أن يتصل بالرئيس الأمريكى رونالد ريجان- طالبا منه أن يشرح لعامة المسيحيين فى الولايات المتحدة- ولا سيما فى الجنوب الهدف السامى الكتابى لنسف المفاعل النووى العراقى ، بل لقد أهدت حكومة إسرائيل إلى هذا القس طائرة خاصة مكافأة له على دوره فى تغطية الجريمة ، واتسعت دائرة الهدايا الإسرائيلية، فأُهدِيت إلى زميل فالويل- القس روبرت- الجنوبى أيضا- جائوة قيمة من حكومة آريل شارون فى احتفال كثير، أقيم عام 2001.

ولا نستطيع أن نحصى الوقائع التى تدل على الاتحاد الكامل بين هؤلاء المسيحيين الأصوليين وبين المؤسسات الصهيونية فى إسرائيل ، حتى إنه فى الأسبوع الأخير من عام 2002 صرح توم دلاى أحد زعماء الأغلبية الجمهورية فى الكونجرس الأمريكى (مجلس الشيوخ) – بأن كل الضفة الغربية وقطاع غزة – هى أراض إسرائيلية بحكم الرب ، وكثيرا ما نادى هؤلاء الجنوبيون بتنظيف هذه المناطق من الفلسطينيين!!

إن العلاقة بين الرئيس بوش وحكومة إسرائيل علاقة عضوية لا يرجى من ورائها خير، ولا ينتظر أن تتوازن هذه العلاقات كما كانت – حتى فى عهد كلينتون، وإذا كان لنا أن نرجو خيرا فلا بد أن ننتظر حتى تتغير حكومة الجمهوريين ، وتأتى حكومة أخرى تعمل على فض الاشتباك، ورد الحقوق إلى أصحابها فى إطار سلام عادل، سوف نظل متعلقين بأحباله (الدايبة) مادمنا لا نملك القوة لحسم القضية لصالح الق، وإقامة الوزن بالقسط دون جور فى الميزان..