علموا أولادكم القضية

 

 

مما روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال : ( علموا أولادكم السباحة و الرماية و ركوب الخيل ، و مروهم فليثبوا على الخيل وثبا ) ، و كان عمر فى هذا ينظر بنور الله إلى بعيد .. بعيد ، حين يكبر هؤلاء الأولاد ، و يتحملون مسئولية بناء مجتمعهم و حمايته من الأعداء ، و إعداد الأجيال المتتابعة ، و واضح أن وصية عمر قد ركزت على الجانب الرياضى ؛ السباحة ، الرماية ، ركوب الخيل و الوثب عليه ، و قد يضاف إلى هذه الاهتمامات تعليم الشباب بعض الاختيارات من الشعر الحسن ، ليحضهم على مكارم الأخلاق فوق ما يحفظونه من القرآن الكريم .

و قد كان هذا فى وقت لم يعرف المجتمع فيه المدارس و المعاهد المختلفة ، و النوادى الرياضية ، و لم يكن ذلك من باب الترفيه عن النفس ، أو الاستمتاع بوقت الفراغ ، بل كان جزءا من التعبئة النفسية و البدنية لجنود الغد ، المقاتلين لأعدائهم ، الذائدين عن أوطانهم ، المجاهدين فى سبيل الله ، و المتسابقين إلى الجنة ، و ذلك فى وقت كان الجهاد مسئولية فردية ، فالمقاتل يعد نفسه وسلاحه ، و مؤونته ليخرج حين ينادى داعى الجهاد ، مكتمل العدة ، وافر المؤونة ، ليكون عنصر قوة فى جيش قوى .

أما الآن .. فالأمر قد اختلف تماما ، حين أصبحت الدولة هى المسئولة عن إعداد الجيش، و أسلحته و عتاده ، و صار الجهاد تخصصا و تنوعا ، فى البر و البحر و الجو ، و مع ذلك تظل اللياقة البدنية ركنا أساسيا فى إعداد الفرد لمختلف الاحتمالات .

إن الفكرة التى قدمناها عن صورة الصراع قديما و حديثا فكرة مبسطة جدا ، لا تشمل الجانب المادى ، فعلى حين أن المعارك الحربية بين جانبين قد تكون خاطفة ، نجد أن الصراع فى جانبه المعنوى قد يستغرق عشرات السنين ، و قد يستهلك القرون ، كما هو شأن الصراع الدينى ، و فى حياتنا المعاصرة نموذج واضح من هذا الصراع ، فالغرب الصليبى متحالفا مع القوى الصهيونية يعتبر نفسه خصما للشرق الإسلامى ، لأنه يرى فى الإسلام البديل الوحيد له ، حضاريا و إنسانيا ، و لذلك حرص الغرب على زرع الكيان الصهيونى فى فلسطين ، و قال الزعيم البريطانى تشرشل عشية إعلان قيام الدولة الصهيونية : ( لقد زرعنا فى قلب العالم العربى دولة هى الخنجر الدائم الذى يعوق نمو العرب ، و يشل تفكيرهم ) ، قال تشرشل هذا الكلام عندما كان الاستعمار البريطانى يستعد للرحيل من المستعمرات فى البلاد الإسلامية ، كمصر و العراق و الأردن و فلسطين .

و حين أعلنت الدولة اليهودية فى 15 مايو 1948 ، ثار بركان الغضب فى أنحاء العالم الإسلامى كله ، و تحركت كتائب المتطوعين تحت راية الإسلام ليحولوا دون سيطرة العصابات الصهيونية على فلسطين ، بعد أن أسلم البريطانيون المتآمرون مدن فلسطين لعصابات الهاجاناه والأرجون و شتيرن ، و هنا تحركت القوى الإسلامية من متطوعى الإخوان ، و دخلت فرقهم فلسطين ، و وقعت معارك بين الجانبين ، و أيقن اليهود و الأمريكان و البريطانيون أن كفة الإسلاميين هى الراجحة ، و أن العصابات الصهيونية توشك أن تلقى سلاحها هزيمة و يأسا .

و ضغطت القوى السياسية فى أمريكا و بريطانيا لإنقاذ العصابات فخيلت للحكومة المصرية آنذاك و للملك ؛ أن انيصار الإسلاميين خطر على العرش ، و على استقرار النظام الحاكم ، و كان المطلب الأساسى حل جماعة الإخوان المسلمين ، واعتقال المتطوعين ، و قد كان ، و فرضت هدنة على الجيش المصرى تمكن اليهود بفضلها من مضاعفة أسلحتهم ، و تدريب مقاتليهم .

و تولت الجهود السياسية ترويض الساسة الحكام ، فى مصر و فى الأردن ، فتمكنت العصابات الصهيونية من السيطرة على الكثير من المدن ، و عل صحراء النقب ، و بذلك تكونت دولة إسرائيل .

غير أن الجانب الذى كان يؤرق الزعماء الإسرائيليين هو اعتبار مشكلة فلسطين مشكلة إسلامية ، و قد كانوا يرون ضرورة فصل القضية عن اهتمامات العالم الإسلامى ، و حصرها فى الدائرة العربية ، و قد تم ذلك بالقضاء على قوة المتطوعين الإسلاميين ، و صارت القضية إلى ثرثرة القوميين العرب ، تساندهم الجامعة العربية ؛ المفككة أصلا ، و التى هى عبارة عن ديوان للموظفين العرب .

و ما كانت القومية العربية فى أصل منشئها إلا فكرة معادية للعقيدة الإسلامية ، و لذلك يعتبر تحويل القضية من بؤرة الاهتمام الإسلامى إلى الدائرة العربية إنجازا سياسيا ضخما ، سهلٌ بعده عزلها عن الاهتمام العربى ، و حصرها فى الدائرة الفلسطينية.

لقد تم تفريغ الأجيال العربية من الاهتمام بقضية المصير ، مع أن العدو لا يكف عن شحن أجياله بعناصر الأطماع المرموقة ، من الفرات إلى النيل ، و هو يجعل من الأساسى فى مناهج التعليم أن يحفظ التلاميذ سفر يشوع ، و هو سفر القتل و التدمير و التحريق لكل عناصر الحياة فى المدن الفلسطينية .

لقد اختفت معالم القضية عن وعى الأجيال العربية ، و دخلت فى نفق مظلم بعزلتها عن العالم الإسلامى ، و لا خروج من هذا المأزق إلا بالعودة إلى الساحة الإسلامية.

إن العدو يمرح فى الساحة الأمريكية و الأوربية ، فلا غرابة أن نبحث عن ساحتنا الأصيلة التى ينبغى أن نلجأ إليها ، بعد أن أُبعدنا عنها .

لا بد من تعليم أجيالنا جذور الصراع و طبيعته ، و عناصر القوة و الضعف فيه ، عن طريق تدريس مقرر عام ، يُفرض على كل الدارسين فى كل الجامعات العربية أصلا ، و الجامعات الإسلامية ، إن استطعنا إلى ذلك سبيلا ، و من خلال تدريس هذا المقرر عن ( قضية المصير ) ؛ نعيد للأجيال و عيها بها ، و نعيد للقضية عناصر قوتها ، و من ثم نسترد الأمل فى تحقيق النصر النهائى على قوى البغى و العدوان الشيطانية الصهيونية الأمريكية .

و ليكن شعارنا فى المرحلة القادمة : ( علموا أولادكم القضية ) .